الغرناطي الكلبي

27

التسهيل لعلوم التنزيل

هذه النازلة ، وأن داود لم يخطئ فيها ، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح ، ويدل على هذا القول أن كل مجتهد مصيب ، وقيل : بل يعني حكما وعلما في غير هذه النازلة ، وعلى هذا القول فإنه أخطأ فيها ، وأن المصيب واحد من المجتهدين * ( وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ ) * كان هذا التسبيح قول سبحان اللَّه ، وقيل : الصلاة معه إذا صلى ، وقدم الجبال على الطير ، لأن تسبيحها أغرب إذ هي جماد * ( وكُنَّا فاعِلِينَ ) * أي قادرين على أن نفعل هذا . وقال ابن عطية : معناه كان ذلك في حقه لأجل أن داود استوجب ذلك مناصفة كذا ! * ( صَنْعَةَ لَبُوسٍ ) * يعني دروع الحديد ، وأول من صنعها داود عليه السلام ، وقال ابن عطية اللبوس في اللغة : السلاح وقال الزمخشري : اللبوس اللباس * ( لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ) * أي لتقيكم في القتال وقرئ « 1 » بالياء والتاء والنون ، فالنون للَّه تعالى ، والتاء للصنعة ، والياء لداود أو للبوس * ( فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ) * لفظ استفهام ، ومعناه استدعاء إلى الشكر * ( ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً ) * عطف الريح على الجبال ، والعاصفة هي الشديدة فإن قيل : كيف يقال عاصفة ؟ وقال في [ ص : 36 ] رخاء أي لينة ؟ فالجواب : أنها كانت في نفسها لينة طيبة ، وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين ، وقيل : كانت رخاء في ذهابه ، وعاصفة في رجوعه إلى وطنه ، لأن عادة المسافرين الإسراع في الرجوع وقيل : كانت تشتدّ إذا رفعت البساط وتلين إذا حملته * ( إِلى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * يعني أرض الشام ، وكانت مسكنه وموضع ملكه ، فخص في الآية الرجوع إليها لأنه يدل على الانتقال منها * ( يَغُوصُونَ لَه ) * أي يدخلون في الماء ليستخرجوا له الجواهر من البحار * ( عَمَلًا دُونَ ذلِكَ ) * أقل من الغوص كالبنيان والخدمة * ( وكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ) * أي نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره ، أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه ، وقيل : معناه عالمين بعددهم . * ( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّه ) * كان أيوب عليه السلام نبيا من الروم ، وقيل من بني إسرائيل ، وكان له أولاد ومال كثير فأذهب اللَّه ماله فصبر ، ثم أهلك الأولاد فصبر ، ثم سلط البلاء « 2 » على جسمه فصبر إلى أن مر به قومه فشمتوا به ، فحينئذ دعا اللَّه تعالى ، على أن قوله : مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ليس تصريحا بالدعاء ، ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه ، فكان في ذلك من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب * ( فَكَشَفْنا ما بِه مِنْ ضُرٍّ ) * لما استجاب اللَّه له أنبع له عينا من ماء فشرب منه

--> ( 1 ) . قرأ ابن عامر وحفص لتحصنكم وقرأ أبو بكر : لنحصنكم بالنون وقرأ الباقون ليحصنكم بالياء . ( 2 ) . المراد بالبلاء المرض الذي أصابه وهو مرض باطني لا تنفر منه الطباع البشرية لعصمة الأنبياء من ذلك .